والصمت فضيلة كبرى، وإن كان يبقي البعض " العالِم " في إطار من الحرج يمنعه من "مدّ رجليه" أو من الاسترخاء في حضرة البعض "الجاهل"، وقصّة الشافعيّ -رحمه اللّه- معروفة للجميع في حرجه ذات يوم من الجاهل الصامت الذي ما إن تكلّم حتّى قال الشافعيّ مقولته: (آن للشافعيّ أن يمدّ رجليه) والصمت لغة لها من البلاغة والقوّة في التعبير ما ليس للكلمات أحياناً.
ولكن.. أن يكون السكوت وسيلة يقوم بها البعض، لا رغبة في لمّ شتات المبعثر من أفكار ولا تركا لفرصة لمتكلّم، ولا خوفاً من تورّط، ولا استتاراً من جهل، وإنّما قنصا وسفكا واحتيالا وغصبا، فهذا ما يبدو -لأول وهلة- غريباً بعض الشيء في عالم الغرابة هذا الذي نعيشه.
إذ ترى الرجل الصامت، وقد عقد ما بين حاجبيه موحياً بالغموض الضروريّ، ممثّلاً دور العارف بكلّ شيء، والهازئ من كلّ ما حوله، لا مبالياً بأيّ حديث يجري على مسامعه، يتلّهى بتمسيد لحيته "المسكينة" التي انقطعت الأسباب ما بينها وبين السالف منذ آخر تقليعة للمثقّف العصريّ وقد أقسم ألاّ تنمّ تعابير وجهه عن أيّ معنى، موزّعاً ابتسامة بلهاء في كلّ حين، واضعاً صدغيه ما بين إبهام جائر وسبّابة كافرة، وفي الحقيقة يكون هو متيقّظاً تماماً، وقد جعل من أذنيه لاقطين حسّاسين، ومن صناعة نادرة، مصغياً لما يجري من حوار حوله، لا يغفل عن شاردة ولا تفوته نأمة.
وإذ يطلّ يوم آخر بصحفه ومجلاّته، أو بأيّة وسيلة إعلاميّة أخرى، ترى ذلك الرجل "الصامت" وقد أتحف إحدى وسائل الإعلام والنشر بآراء هي ذات ما سجّله في جلسة الإصغاء تلك.
وحين يطّلع أصحاب الآراء على الأمر تصيبهم الدهشة، وتعقد ألسنتهم المفاجأة، إذ هل يعقل أن يكون الأمر مجرّد توارد للخواطر، أو تطابق في الأفكار، والتي لا تعود ملكاً لأحد ما بالذات إذا ما تجاوزت هذه الذات. وهل ثمّة ما يضير في أن ترى ما تفتّقت عنه مخيّلتك مسطوراً في مجلّة أو في صحيفة، وقد ذيّل باسم آخر، لم يكن سوى آلة لتسجيل الأفكار، ومن ثمّ انتحالها، وبخاصّة في ظلّ بعض ما يشاع حول أهميّة الكلمة دون أيّة أهميّة تذكر لصاحبها ومبدعها.
وأخيراً.. هل يمكن للمدّعي "سارق الأفكار" أن يستمرّ إلى نهاية الشوط، بحيث يجد دائماً من يغذّي ذاكرته، ويملأ حبر قلمه "الناشف" تماماً " دون أن يكتشف ويفتضح أمره، ويسقط في وهدة الفضيحة كما سقط غيره؟!
وهكذا يكون الصمت- هذا المخلوق القدسيّ - سلوكاً لدى البعض يقصد من خلال استخدامه سرقة ما في عقول الآخرين الذين -فيما يبدو- فقدوا عقولهم فعلاً حين تحدّثوا في زمان كزماننا هذا، وذكروا بنات أفكارهم عارية، وبحسن نيّة من دون أن يقوموا بتسجيلها ضمن حماية الملكيّة، ومن ثمّ براءة اختراع عنها، قبل طرحها في سوق النخاسة الجديد.
الجمعة, 24 يوليو, 2009
فلسفة أخرى للصمت
إذا كان للحوار أهمّيّة قصوى في الطريق نحو المعرفة، وفي التقريب بين وجهات النظر، وفي الوصول إلى الأسمى في الفكر والأدب، وإذا كان الحوار أيضاً لبنة أولى لبناء النظريات وإرساء القواعد والأسس المعرفيّة، فإنّ للصمت " في موضع "فضائل كبرى تتجلّى في حسن الإصغاء وفي القدرة على الاستيعاب الأمثل، وفي ترك المجال للمتحدّث كي يمسك بخيوط أفكاره جيّدا، ويقدّم آراءه مسلسلة مكتملة، دون تقطيع أو تشويش..، وربّما " في أدنى الحالات " يكون الصمت وقاية لصاحبه من عثرة التورّط فيما لا تحمد عقباه، ممّا قد يقلّل من احترامه، أو يحطّ من قدره إذا تكلّم وانكشف المستور من جهله أو من غبائه.
علي محمّد شريف
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









من المملكة العربية السعودية
حبايبنا تعالو لي احدثكم حديث الياسمين والفله حديث الارواح والمحبه حديث من قلب محب يودعكم شهر كريم اتى شهر الله يحل بيننا فان لم نتفرغ له ونحسن وفادته فكيف يكون الوفاء بيننا اتمنى لكم اصدقائي الاحباء شهر خير وبركه بمختلف مذاهبكم واديانكم اتمنى لكم المغفره والجنه واتمنى ان مت ولم اعد بعد هذا الشهر ان تترحموا علي وان عدة ان لاتكونوا نسيتموني وكل عام وانتم بالف خير استودعكم من لاتضيع ودائعه